مؤسســــة عــــدن الغـــد للإعــــلام
آخر تحديث للموقع الاثنين 20 مايو 2013 03:01 صباحاً

الجنوب من مهرجانات ثورية إلى طقوس عبادة أصنام!
اغتيال  يحيى ..اغتيال وطن!
قيادات الحراك الجنوبي (بين الواقع والمأمول )
مشيخة تهجير البقر
الجنوبيون  بين معاناة القهر الوحدوي والقهر السياسي
مخاطر ابتزاز الدولة!
أحمد علي الرئيس القادم
آراء واتجاهات

الأيام: الصحيفة.. الوطن!

أمين اليافعي
الذهاب لصفحة الكاتب
مقالات أخرى للكاتب
الأحد 06 مايو 2012 10:28 مساءً


لم يدرك الجنوبيون بعد حجم الخسارة التي مُنيّوا بها جراء التوقيف الإجباري الذي طال صحيفتهم الغراء "الأيام"، وربما لن يدركوا ذلك. لأنهم لو أدركواً فعلاً، لما بقي امرئ منهم دون أن يهب لنجدتها!. 

الأيام هي رمز الجنوبيين، رمزهم الكبير، بل هي أسطورتهم، الأسطورة التي تفانت برواية حكايتهم، ورددتها كاملة في الإرجاء، وأعادت تدويرها مرات ومرات بلا نهاية حتى نقشتها على اللوح المحفوظ. كانت لهم الحقيقة، و"المَلَك" الذي يهمس لهم بالحق، في زمنٍ كثُرت فيه الشياطين حولهم، الشياطين التي يُراد لها أن تتخطفهم!

لقد التصقت بهم، تلبستهم، خالطتهم في أشيائهم الحميمة. فأشرقت على صفحاتها وجوههم، وفي كلماتها نمت ذواتهم، وعلى خيالاتها طارت أرواحهم. جرت حروفها في عروقهم، ومع دمائهم، اعتصرتهم فاعتصروها حتى سال شرابهم الخالد.

من منهم لم ينم وهي ليس بحضنه كحبيبة! من منهم لم يفكر قبل أن تجتاز به قدماه عتبة منزله صباحاً، وقبل أن يفكر بعمل أي شيء، بكيف سيحصل على نسخة منها.. وبعد ذلك، يذهب في حال سبيله، فتكون مواضيعها شغله الشاغل، ومحور أحاديثه والآخرين، في المواصلات، مكان العمل، المقيل، البيت...

وعلى المستوى الشخصي، أتذكّر جيداً كيف ارتبطت بها، وكيف أوقعتني في عشقها الأبدي، كنتُ طفلاً، وكانت الظروف المعيشية بعد حرب 94م صعبة للغاية، لكن مع ذلك، كان والدي يُصر على أن يجلبها لنا كل يوم مع احتياجات الطعام الأساسية. ربما أراد والدي أن يوحي لنا (أو هكذا ارتسم في مخيلتي)، أن وجودها اليومي في بيتنا ينبغي أن يكون ضروري ـ كالغذاء ـ ببقائنا أحياء!.. بعدها كبُرنا، ونمت مداركنا وتوسعت، لكن كلما كبُرنا، كانت تكبر فينا "الأيام"، وتتعمق بها علاقتنا. كانت تقف لنا كإله للنور في مرحلة تكويننا الروحي والفكري والنفسي، أمدتنا بمعارفنا الأولى، وخياراتنا الأولى، أرتنا أول الطريق، وأول الحلم، وأخر الظلام، كشفت لنا خيطنا الأبيض من الخيط الأسود.

ارتحلنا في مواطنٍ كثيرة، وتعددت ينابيع الوعي، ومع ذلك، ظلت الأيام فينا نابضة بالحياة، وظلت علاقتنا بها على حالها لم تتغير، ولن تتغير أبداً (فألا يحق لنا ـ نحن الجنوبيون ـ اليوم أن نفخر بصحيفتنا التي رسمت لنا معالم طريق الخلاص، ثم احتضنت نضالاتنا الأولى، فولدت ثورتنا مبكرة بأربع سنوات عن الثورات العربية في بلدانٍ تمتلك من وسائل التثقيف الكثير! أليس الثورة على الظلم والاستعباد أولى طريق المعرفة الحقيقية ومقياس هام لتقدم ونضوج الوعي؟! فما جدوى الثقافة والعلم في ظل واقعٍ استعبادي! ألم يقل المفكر الكبير أمارتيا صن أن "التنمية حرية"!).

لقد كان الواقع الجنوبي صعباً للغاية بعد حرب 94م، بل ومزرياً من الناحية المعنوية والنفسية، كان هناك شرخاً في المجتمع الجنوبي، وكان نظام صنعاء يفعل فعلته فيه، ويسعى بدأبٍ إلى تحطيم كل ما يُشكل عنصر كثافة ومقاومة ومجابهة في الذات الجنوبية بغية تحويلها إلى كائن ملحق بكيانه، لا حول لها ولا قوة. لقد قام منذ يومه الأول بتدمير كل المؤسسات التي شكّلت عنصراً جامعاً لهم، وأمدتهم بالوعي، والإحساس بقيمة الذات، وبالشعور كجماعة واحدة.

لكن لحسن حظ الجنوبيين الكبير، أن صحيفة الأيام أفلتت من ذلك، فقد كانت مؤسسة عريقة وراسخة، أصلها ثابت وفرعها في السماء، لذا كانت عصية على الاقتلاع والاجتثاث.

وبدورها، أدركت الأيام، وبرؤية ثاقبة، طبيعة المشروع الاحتلالي، وخفاياه النتنة، فتبنت ـ منذ الوهلة الأولى ـ السير في الاتجاه المعاكس له، نزوعاً إلى مجابهته، وفضحه بكل ما تستطيع فعله من خلال سلاحها الوحيد، سلاح الكلمة الفتاك، الكلمة الحرة والنزيهة التي لا تُفنى، وبأخلاقٍ مدنية عالية جعلته ينكمش خسةً ودناءةً.

بدأت بالذات الجنوبية المشروخة، ومعالجة مواطن الخلل فيها، إذ أنه ليس بمقدور أي اختراق أن ينجح إذا كانت الذات متماسكة، وإذا لم يجد فيها منفذاً يتساهل في ولوجه.  وأهم ما فعلته في هذا السياق، أنها عملت على بناء المشترك بينهم، ولفت انتباههم إلى أمرٍ هام غاب عنهم في خضم الصراعات التي خاضوها منذ اليوم الأول للاستقلال دون أن تكون لهم في مشاريع هذه الصراعات أي مصلحة، ناقة أو جمل؛ إلى أن ما يجمعهم أكثر بكثير مما يفرقهم، وقد تفانت في بروزة هذا الذي يجمعهم في كل مواضيعها المطروقة،  ودفعتهم إلى الالتفاف حوله، والدفاع عنه بشتى السبل. وهي نقطة في منتهى الأهمية، إذ عملت على تهيئة الجو النفسي العام لأي مصالحة قادمة. وأقولها بكل صراحة، لولا الدور الذي لعبته "الأيام" في هذا الموضوع الهام، لما تم تقبل دعوة كـ"التصالح والتسامح" بهذه السرعة، ثم تصبح هذه الدعوة موضوع الساحة في مرحلة ما، أو أن يصل مشروعنا الثوري إلى ما وصل إليه اليوم، فضلاً عن أن الأفكار الأولى لرواد دعوة التصالح والتسامح، وقادة المشروع الثوري بدأت في التبلور على صفحات الأيام حصرياً.

كثيرةٌ هي الأشياء التي قدمتها الأيام للجنوب، ولا يمكن لمقالٍ واحدٍ، ولا لعدة مقالات، أن تتسع لسردها كرؤوس أقلام ودون الدخول في تفاصيلها الواسعة سعة البحر. من أهمها، العمل على إعادة بناء الذات الجنوبية، وإعادة ترتيب عناصر الواقع، والعلاقات المتبادلة فيه، بما أتاح رؤية جديدة ومنظوراً جديداً للذات والواقع معاً. لقد حرضتهم على ضرورة التفكير بشكلٍ إيجابي تجاه ذواتهم، وبالإمكانيات والقدرات والفرص الكامنة فيهم، وسعت إلى إشباع وعيهم بالفعالية الذاتية عن طريق استحضار رموزهم وكل ما له وقع إيجابي ومحفز في تاريخهم. هذه الفاعلية التي يصفها علماء السيكولوجيا بأنها قلب القلب من نواة الاقتدار الإنساني الذي يدفع للتحرك والتدبر، والمحرك الرئيسي للعزم والتصدي والإقدام ومجابهة التحديات حتى في الوضعيات التي تبدو بدون مخارج. وهو مشروع عظيم آخر بكل ما للكلمة من معنى حملته "الأيام" على عاتقها، وانبرت به لمواجهة مشروعاً آخر ـ يملك من قدرات وإمكانيات ووسائل لا حدود لها ـ سعى إلى تدمير الذات الجنوبية، وحاول إن يشيع التفكير السلبي تجاه فعالية هذه الذات واقتدارها. وفي الأخير، انتصر مشروع "الأيام" ذو الوعي المدني، وأتى أكله كاملة في السنوات الأخيرة الماضية.

وفوق ذلك، لو قدّر لمركز جنوبي مقتدر دراسة ورصد حجم الخسائر التي لحقت بالجنوبيين نتيجة توقف هذه الصحيفة لكان الرقم هائلاً، والخسارة لا تُعد ولا تُحصى من الناحية المادية والمعنوية. لقد كانت الصحيفة الجامع السحري لهم، وعندما توقفت، دبّت الخلافات بين أقطاب قادة التيارات الجنوبية، وكثيرٌ من هذه الخلافات هي خلافات صنعتها وسائل إعلام (اندست بيننا خلسة) معادية للمشروع الجنوبي، وما أكثرها! وكم سدّت "الأيام" أبواباً حاولت أن تفتحها هذه الوسائل في ذاتنا الجنوبية كي تدخل منها الريح!

إن "الأيام" ليست بصحيفة، إنها "الوطن البديل" للجنوبيين على حد تعبير الدكتور أبو بكر السقاف.



شروط التعليقات
- جميع التعليقات تخضع للتدقيق.
- الرجاء عدم إرسال التعليق أكثر من مرة كي لا يعتبر سبام
- الرجاء معاملة الآخرين باحترام.
- التعليقات التي تحوي تحريضاً على الطوائف ، الاديان أو هجوم شخصي لن يتم نشرها
تعليقات القراء
32364
1 | نقول رئيس الوزراء
الاثنين 07 مايو 2012 04:16 صباحاً
عدنيه | عدن
ياباسندوه ..امامك امتحان حقيقي يتحتم عليك اجتيازه بنجاح

32364
2 | كم أنت رائع ياأخي
الاثنين 07 مايو 2012 09:02 مساءً
أحمد عبده | يمن
رائع أنت بجسارتك .. رائع أنت في نبلك .. رائع بكتاباتك .. كم أنت رائع في وطنيتك .. الأيام وطن وقلبك وطن وفكر الرائعيين وطن ولن يمروااااااااااااااااااااااااااااااااااااا .. دمتم أخي وحبيبي أمين وفقك الله وبارك لك في علي ... للتواصل دعاء يفتح أبواب السماء مبشر بنصر قريب ...


شاركنا بتعليقك